واصف جوهرية

218

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

ولكن لسوء الحظ انقلبت هذه السهرة الجميلة من حظ إلى بؤس فقد تقاتلت الضباط مع بعضهم واختلط الحابل مع النابل والجدير بالذكر أن العادة كانت بين هؤلاء ضباط الجيش التركي يسارعون فيكسرون النور وهكذا بسرعة فائقة بدأ إطلاق النار من مسدسات الضباط المختلفة في داخل القاعة فأطفئت الأنوار ( اللوكس الكبير واشتعل الكاز فيه ) وازداد إطلاق النار بصورة فظيعة لم أستطع من الخروج من باب الغرفة ورغما على اشتعال الكاز في وسط الغرفة كانت الضباط من شدة السكر لا تعي ولا تتخوف من النار فشاهدت قريبا عني خزانة في الحائط وإذ بالآنسة راحيل تسحبني من يدي فأدخلتني داخل باب هذه الخزانة وإذ وجدت أنها بابا تطل على بيت آخر ملاصقا لهذه الدار وبهذه الصورة أنقذت حياتي وقد أغلقت باب الخزانة وبقيت عند أقاربها طيلة تلك الليلة وطول النهار الثاني إلى أن انتهى التحقيق من قبل المسؤولين في الجيش ، وإني أصبحت في دار ثانية منفصلة تماما . حمدت اللّه على معرفتي براحيل فشكرتها وبعد ما عرفت بأن عودي انكسر مع الأسف قلت الحمد للّه التي جاءت بالعود وليس برأسي ، وهكذا كنا في زمن الحرب العظمى كنا شبيها بمن يغتسل في حمام " طاسة باردة ، وطاسة سخنة آه " . عائلة حسين أفندي في أريحا استأجر حسين أفندي الحسيني الطابق العلوي بكامله من فندق المنظر الجميل والواقع في الجهة الغربية من هذا الفندق ونزلت عائلته لقضاء فصل الشتاء في جو أريحا الدافئ ولأجل أن يكون قريبا على عائلته عند مراقبة أعمال نقل الحبوب من جهة البحر الميت والكرك . وقد خصص لي الغرفة في الطابق السفلي من العمارة الواقعة بجانب الدرج الخشبي مباشرة المؤدي إلى الطابق العلوي . أصبحت هذه الغرفة مجمع الخلان فقد جعلنا خزانة صغيرة خاصة للمشروبات وعلقنا العود الذي هو أساس الحظ والطرب فوق السرير وهكذا كان يقضي المرحوم حسين أفندي الساعات الطوال من الليل مع أصدقاءه فيها أمثال إسماعيل بك الحسيني وعلي أفندي النقيب وصديقنا كمال بك ثم كامل بك قوماندان منطقة أريحا العسكري وخليل بك الدوادي مدير الناحية وغيرهم ويبحثون الحالة التي وصلت إليها البلاد من سوء لأسوء وكنت أثناء هذه السهرات أعزف وأغني على عودي ونحصل على ما تتطلب السهرة من المازات والطعام من عقيلته أم سليم بواسطة الصانعة « 1 » المعروفة سارة والبنت زردقة من قرية الطور . قضينا أوقاتا جميلة في هذه الغرفة وقد زارنا روشن بك في ليلة ما فتحمس وقرر نقل عائلته إلى هذا الفندق من القدس واحتل الطابق الثاني ثلاث غرف من العمارة الشرقية من الفندق وهي أول عمارة لدى دخولك المدخل على يدك اليمنى .

--> ( 1 ) الصانعة : الخادمة .